الشيخ محمد هادي معرفة

463

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

سجوده هو نفس امتناعه من الامتثال . فهناك سكتة لطيفة - عند تلاوة الآية - عند قوله « ما مَنَعَكَ . . . » بينه وبين « أَلَّا تَسْجُدَ . . . » وهذا من لطيف الكلام وأبلغه في البيان . وهذا كما في قوله تعالى : « فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ » « 1 » . حيث كان « اصْنَعِ الْفُلْكَ . . . » هو نفس الوحي . وكذا قوله : « وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ » « 2 » . كان « تِلْكُمُ الْجَنَّةُ . . . » نفس النداء . وللآية نظائر ، قد يتوهّم فيها زيادة « لا » ، في حين أنّها نافية أو ناهية ، والجملة وقعت تفسيرا لكلام قبلها . قال تعالى : « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ : أن لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً . . . » « 3 » . قال الزمخشري : « أن » في « أن لا تُشْرِكُوا . . . » مفسّرة و « لا » للنهي . « 4 » فالفعل مجزوم بلا وليس منصوبا بأن . لأنّها تفسيرية . فقد جاء « لا تشركوا » تفسيرا للصلة ( حرّم ) ، لا للموصول حتى تكون « لا » زائدة . وكذا قوله تعالى : « قالَ : يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ، أن لا تتبعني ، أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ؟ ! » « 5 » . زعموا زيادة « لا » ، أي ما منعك أن تتّبعني . « 6 » في حين أنّها نافية ، جاءت الجملة بيانا للامتناع والتخلّف عن الدستور . أي : ما منعك من الاستقامة والمقاومة الصريحة ، بأن لا تتّبعني في صلابتي وشدّتي في ذات اللّه . أي ما حملك على العصيان ، نظير « ما مَنَعَكَ أن لا تَسْجُدَ » . وهكذا ذكر الرازي في ثاني الوجهين : أن يكون المراد ، ما دعاك إلى أن لا تتّبعني . « 7 » وقوله تعالى : « وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ » « 8 » . قالوا بزيادة « لا » وأنّ

--> ( 1 ) - . المؤمنون 27 : 23 . ( 2 ) - . الأعراف 43 : 7 . ( 3 ) - . الأنعام 151 : 6 . ( 4 ) - . الكشاف ، ج 2 ، ص 78 - 79 . ( 5 ) - . طه 92 : 20 - 93 . ( 6 ) - . الكشاف ، ج 3 ، ص 83 . ( 7 ) - . التفسير الكبير ، ج 22 ، ص 108 . ( 8 ) - . الأنبياء 95 : 21 .